عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

128

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

مستجابة باعتبار أن المملكة الكبرى لا تنبغي لأحد من بعد اللّه وهو حقيقة سليمان فقد صحت الدعوة له فقد صدقت . وإن قلت : إن دعوة سليمان غير مستجابة باعتبار عدم قصر الخلافة عليه وأن ذلك قد صح لمن بعده من الأقطاب والأفراد فقد صدقت ، فاعتبر كيف شئت ، فلما علم داود امتناع قصر الخلافة عليه ترك هذا الطلب ، فطلب سليمان تأدبا إلهيا يريد تفرّده بالمظاهر الإلهية لتفرّد حقه بها ، وهذا ولو كان ممتنعا فهو جائز الطلب للوسع الإلهي والإمكان الوجودي ، ولكن لا يعلم أحد صحّ له ذلك أم لا ، وفي هذا المقام أخبر الحق تعالى عن أوليائه فقال تعالى : وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ « 1 » و سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ « 2 » فصار من هذا الوجه ممتنعا ، فلهذا قال الصديق الأكبر : العجز عن درك الإدراك إدراك . وقال عليه الصلاة والسلام : « لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك « 3 » فتأدب صلّى اللّه عليه وسلم في طلب ما لا يمكن حصوله ، واعترف بالعجز لكمال ربه . وكان عليه الصلاة والسلام أعرف بربه من سليمان ، لأن سليمان عرف ما ينتهي فطلب حصوله ، ومحمدا صلّى اللّه عليه وسلم عرف ما لا ينتهي فتأدب عن طلب إدراك ما لا يدرك ، أعني تأدب فترك الدعاء بحصول ذلك لعلمه أن اللّه تعالى لم يجعله لأحد ، وإنه خصوصية فيه ذاتية استأثر اللّه تعالى بها عن سائر خلقه ، فانظر بين من لمعرفته بربه حد ينتهي ، وبين من لا حدّ لمعرفته بربه ولا نهاية لها . وفي هذا المقام قال المحمديون من الأولياء ما قالوا ، فقال شيخنا للشيخ عبد القادر الجيلاني : معاشر الأنبياء أوتيتم اللقب وأوتينا ما لم تؤتوه ، هكذا روى عنه الإمام محيي الدين بن العربي في الفتوحات المكية بإسناده ، وقال الشيخ الولي أبو الغيث بن جميل رضي اللّه عنه : خضنا أبحرا وقف الأنبياء بساحله « 4 » . وهذا الكلام وإن كان له وجه من التأويل ، فمذهبنا أن مطلق النبيّ أفضل من مطلق الوليّ ، وسيأتي الكلام على النبوّة والولاية في هذا الكتاب إن شاء اللّه تعالى ، واللّه يهدي إلى الصواب . الباب الثامن والثلاثون : في الإنجيل أنزل اللّه الإنجيل على عيسى باللغة السريانية ، وقرىء على سبع عشرة لغة ،

--> ( 1 ) آية ( 91 ) سورة الأنعام . ( 2 ) آية ( 180 ) سورة الصافات . ( 3 ) مسلم في : الصلاة ( 222 ) ، وأحمد 1 / 96 . ( 4 ) كذا بالأصل : « بساحله » بعود الضمير مفردا .